أن تكون طبيب (معلوماتية)!

يذكر أحد الأطباء المعلّمين والناصحين لي خلال فترة تدريبي ببرنامج الإقامة الطبية في تخصص الطب الوقائي وطب المجتمع وصفهم له بـ'الطبيب الذي ظلّ طريقه' أو 'الطبيب الضائع'  بعدما قرّر اختيار الخوض في غمار المعلوماتية الصحية أثناء ممارسته كطبيب مقيم في الجراحة العامة، فتراه يتنقّل بعد ساعات مناوبته الطويلة ليناقش صباحاً مشاكل نظام الملف الطبي الالكتروني الذي تم تنفيذه بمستشفاه، وذلك بعد صراع شديد لإنشاء "وحدة المعلوماتية الطبية" الصغيرة التي تقبع في الدور الأرضي في مكان لا يعلمه أحد تقريباً.
كان هذا القرار عليه صعباً وشاقاً، بل محرجاً في أحيان كثيرة –بسبب فجوة المعرفة لمن حوله– فضّل معها أن يستمر بالتعريف بنفسه كطبيب متخصص في "الجراحة العامة" في كل الأوقات، حتى يتفادى شرح ما يقوم به بشكل يومي إضافةً إلى مهامه السريرية. استغرق الأمر أكثر من عشر سنوات وهو في صراع (البحث عن تعريف) و (البحث عن سبب) مالذي سيفعله طبيب بين ذئاب متخصصي تقنية المعلومات –حسب وصفه–؟
في نفس السياق، بعد أكثر من عشرة أعوام وقد أصبحت هذه الوحدة الصغيرة إدارة مستقلّة تضم عدة أقسام و عدد من المتخصصين، كنت أعمل في قسم المعلوماتية السريرية التابعة لإدارته في نفس المستشفى، قابلت وقتها أحد زملائي الأطباء من أيام دراستي الجامعية، ليسألني بنبرة حائرة: هل تركت برنامج الإقامة لأكون هنا (أقوم بعمل لا يدري ماذا)؟! ما يجعلني أعقتد أن معرفتنا بتعريف التخصص فقط غير كافٍ، ليس فقط بين الأطباء فحسب، بل أكثر الممارسين الصحيين. لقد كان معلّمي الناصح على حق!! :)

استرجعت بعد هذا الموقف سنوات دراستي الجامعية متذكراً صعوبة وصف اهتمامي بصحة المجتمع والطب الوقائي كتخصص سريري أرى فيه شغفي منذ السنة الرابعة لالتحاقي بكلية الطب، وكيف كان يعتقد أكثر من حولي بأني سأعدل عن هذا الرأي بمجرد انقضاء سنوات الدراسة لأصبح "جراحاً لامعاً" في إحدى التخصصات الجراحية على خطى أخي الأكبر، أو على الأقل أمارس 'التطبيب' بمعناه الدارج لدينا مواجهاً المرضى عِوضاً عن (المجتمع). فحقيقة الأمر أني أواجه عقبتين اثنين في التعامل مع الزملاء المتخصصين والعامّة –وأدعو الله أن يلهمني فيهما الجواب الكافي– الأولى هي مالذي أقوم به كطبيب وقائي؟ والأخرى مالذي أقوم به في المعلوماتية أصلاً؟!

أتذكر في إحدى صباحات عطلة نهاية الأسبوع وأنا في سنتي الدراسية الخامسة للطب، قمت بمناقشة زوجتي عن حلمي في الذهاب إلى طبيب مركز الرعاية الصحية الأولية لمناقشة حالة مرضية متقدّمة، ليقوم طبيب الأسرة بدوره بطلب  الاستشارة الطبية من زميل له –وهو أمر شائع في مجتمع الأطباء–، بل يتعدى ذلك إلى تحويل المريض وحجز موعد له مع الطبيب المختص في المستشفى العام (مباشرةً) بالنظر إلى جدوله والوقت المفضّل له لاستقبال حالات التحويل المبدئية بواسطة عدة نقرات على جهاز الكمبيوتر، وبلا أي تدخل بشري.
انتقلت بعد ذلك لشرح أبعاد مثل هذا التدخل –البديهي بالنسبة لي– في وقته، وكيف يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في طريقة تقديم الرعاية الصحية التي يئن فيها الجانب الوقائي، ولا يثق فيها المريض والسليم إلا بالطب العلاجي! كانت هذه الفكرة هي المدخل الذي تعرّفت فيه على التخصص الذي يوظّف التقنية لخدمة المجال الصحي آنذاك، وكيف أن "التبادل البيني للبيانات الطبية" أو "Interoperability" هو المؤلّف من كلمة واحدة فقط لشرح هذا الحلم!

بعد سنوات عديدة من هذه الفكرة، نرى اليوم العديد من برامج التحوّل الوطني ٢.٠ في مختلف القطاعات، وكيف أن التحول الرقمي هو الممكّن الرئيسي للعديد من هذه المبادرات وخصوصاً في القطاع الصحي. ولعلّي أفصّل في هذا الموضوع في مذكّرة مستقلة.
أحد أهم الممكّنين لهذه العوامل هم المتخصصين في المعلوماتية الصحية والصحة الرقمية من مختلف الأطياف، والحقيقة أن هناك عدد قليل جداً من الأطباء تحديداً في هذا المجال الذين لم يتم تصنيفهم مهنياً إلى اليوم، وهم أساتذتي جميعاً، وقد سبقوني بأعوام طويلة فيه؛ وكوني خضت غمار التصنيف المهني للاعتراف مهنياً كأول طبيب مصنّف يحتّم علي أن أسرد أهمية وجود هذا التخصص السريري للأطباء وأني لا أزال أعمل بلا كلل لخلق الطريق والمسار المهني له.

ماذا يعني أن تكون طبيباً متخصصاً في #المعلوماتية_الصحية؟!

العمل كطبيب متخصص في المعلوماتية الصحية (عادةً المعلوماتية السريرية) لا يعني أنك مهندس تقنية معلومات، ولا يعني أيضاً أنك ستستطيع العمل بدون فريق تقنية المعلومات، وهذا موضوع شائك وقديم بين خبراء المجالين، أعتقد أني سأقوم بطرحه في مذكرة أخرى بقليل من التفصيل.
يطرح الزميل سليمان العمران موضوعاً رائعاً يشرح فيه أبعاد تخصص المعلوماتية السريرية ويختصر الكثير من النقاط التي كنت سأطرحها. أحد أفضل التعريفات لهذا التخصص التي أحب عادةً ذكرها هو: "المعلومة الصحيحة، للشخص الصحيح، وفي الوقت الصحيح" وذلك لقدرتنا على استخدام هذا السياق في مختلف تطبيقات المعلوماتية ومنها الجانب السريري، كأن نصف مقالاً صحياً تثقيفياً كوصفة طبية للمريض لضمان وصوله إلى المعلومة الصحيحة! بل أصبحنا نرى وصفة طبية لتطبيق ذكي!

إن التعامل مع البيانات والقدرة على استشراف القرارات الموجّهة بها هو أحد ما يميز مبدأ الوقاية المتأصّل في هذا التخصص وذلك لقدرة طبيب المعلوماتية على الحصول على "المعلومة الصحيحة، في الوقت الصحيح، للشخص الصحيح" وبناء القرارات الاكلينيكية عليها لمختلف الفريق الطبي (أطباء، تمريض، صيادلة.. وغيرهم)، ويتعدى ذلك إلى الوصول إلى القرارات التي من شأنها تعديل ممارسات مهنية على مستوى المنشأة، مثال ذلك الترصد الوبائي الذكي لمعدلات الإصابة بالالتهابات الناتجة من مضاعفات العمليات الجراحية على مستوى المنشأة، أو التنبؤ بمقدار تكرار الزيارات للطوارئ بناءً على البيانات الخاصة بكل مريض وارتباطها بمتابعة نمط معيشة المريض وعوامل الخطورة المؤثرة على صحته من منظور أشمل!
كما يتبيّن أنه يمكن القول أن هذا التخصص يعتبر حلقة الوصل الأهم بين تطويع التقنية وتوظيف أدواتها للحصول على نتائج طبية تلبّي حاجات وتوقعات الممارسين بمختلف تخصصاتهم الصحية.

مثال على تطبيق مهارات متخصصي المعلوماتية الصحية في تعزيز صحة المجتمع

وللتعمق أكثر في دور الطبيب الممارس لهذا التخصص، ترى النظرة الشمولية للصحة عوضاً عن المرض. ابتداءًا بالمهارات المعرفية والعملية في تنفيذ مشاريع السجلات الطبية الالكترونية في المنشآت وما يصاحبها من تحديات كبيرة على الفريقين السريري والتقني، وصولاً إلى ارتباط البيانات الطبية من مزودي خدمة خارج أسوار المنشأة نفسها، والقدرة على الحصول على قراءة واقعية للوضع الصحي للمجتمع.
وتطبيقات المعلوماتية العديدة كالدراسات المذكورة سابقاً وغيرها –مما لا يمكن حصره في هذه المذكّرة–، مبني على وجود فرضية بنية تحتية تقنية قادرة على استيعاب رحلة المعلومة الطبية السليمة للتبادل البيني للبيانات الذي نسمع عنه في المشروع الواعد لتنفيذ الملف الصحي الموحّد؛ وكأن المرحلة الحالية تعدّ وتَصنَع بجهدٍ كبير لهذه المركبة الطائرة –ربما–، ولكن في المقابل هل نحن متأكدين ممن سيقودها وهل يملك المهارات المطلوبة لذلك؟ :)

إن وضع الاستراتيجيات الصحية الوطنية المتعلقة بالصحة الرقمية والتي قد تؤثر بشكل مباشر على أغلب الممارسات الطبية تحتاج إلى وضع المريض في المحور، وبالمثل وضع الممارسين الصحيين وأولهم الأطباء والمتخصصين في المعلوماتية، في ظل عدم وجود أي برامج تدريبية سريرية –خصوصاً أصحاب الخلفيات السريرية– يجعلنا أكثر عرضة للفشل في الوصول إلى أهداف رؤية المملكة الطموحة، أو قد أكون مبالغاً في نظر الكثيرين :)

الجدير بالذكر بعد هذا كله؛ أنّه وبالرغم من حداثة هذا التخصص، فهو يأخذ زخماً ومكاناً بالغ الأهمية في عدد من الدول التي سبقتنا في تبنيه، لذلك نرى العديد من دول أمريكا الشمالية، والدول الأوروبية (مثل بريطانيا مؤخراً) تولي الاهتمام في وضع مسار جديد للعاملين في المجال الصحي لتحقيق أهداف التحول الاكلينيكي، والرقمي على حدٍ سواء، وذلك بعد فشل أكبر مشروع تقني على مر التاريخ (تنفيذ الملف الصحي الموحد في بريطانيا).

أن تكون طبيب معلوماتية، هو جميع ما ذُكر أعلاه، ولا يزال في الجعبة أكثر!

إظهار التعليقات

احصل على آخر التدوينات على بريدك الالكتروني