'الصراع' بين المعلوماتية الصحية وتقنية المعلومات

ترددت كثيراً عند البدء في كتابة هذه المذكرة، وتمنيت أن أستطيع أن أكتفي بوضع هذا العنوان بالبنط العريض وأتأمل فيه، فهو يعبّر عن نفسه، ويحكي أعقد الصراعات التي تواجه محترفي المعلوماتية الصحية ليس فقط في محيطنا المحلي، بل هو أمر دارج عالمياً. وأدعو الله ألا يصيب أصدقائي العزيزين جداً على قلبي من محترفي تقنية المعلومات بالغضب مما سيقرؤون :)

حاولت البحث عن جذر وبداية لهذه المشكلة، فلم أجد تاريخ معين يبيّن هذه الفجوة المهنية إلى يومنا هذا، ووصلت أن طبيعة هذه الصراعات تتفاوت حسب المنشآت الصحية وحجمها واستقلاليتها تارةً، وتارةً أخرى تكون حوكمة ومركزية القرار –الأمر غير المحبب عادةً–.

سأجازف بالقول بأنه إلى هذه اللحظة –وربما حتى بعد قراءة هذه المذكرة– لن تحلّ عقدة تعريف ماذا يقوم به أخصائيي ومحترفي المعلوماتية الصحية خلاف مبادئ تقنية المعلومات التي قد يكون واضحة –نوعاً ما– في القطاعات الأخرى غير الصحية، وخصوصاً التطبيقات المؤسسية.
أعزي السبب الرئيسي في خلق هذه الفجوة المهنية هو تقصيرنا –ربما– في التسويق الكافي لإيصال (من نحن؟) ولماذا نعتقد أننا مهمين في إنجاح المنظومة، وأن وجودنا جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية المعلوماتية وصولاً إلى العبء التشغيلي. وبالمثل ألقي اللوم على أصحاب القرار C-Level Execs في المنظمات في عدم الاستبصار لأهمية وجود الخارطة المعلوماتية على الاستراتيجية التي قد توكل في إعدادها إلى تحيز زاوية الرؤية لعدم شمول أصحاب المصلحة الحقيقيين!

لن أحاول افتراض الأسباب، فلا توجد فرضيات علميّة محكمّة تخالف أن إنجاح تكنولوجيا الرعاية الصحية عادةً ما يصاحبه وجود أخصائيي الرعاية الصحية (من جهة الأعمال) مع تقنية المعلومات، فلا يصح أن يكون نجاح تكنولوجيا الرعاية الصحية يتيماً :)
وعادتي أن أكرر أن التقنية في بيئة الرعاية الصحية تحتاج إلى: Business-Driven Technology وليس العكس!

خلال مشاهداتي المتواضعة في السنوات الماضية، وبحكم تعدد تنقلاتي وانخراطي في أكثر من جهة سواءً في فترة الزمالة وما بعدها، وجدت أن هيمنة محترفي تقنية المعلومات في القطاع الصحي طاغية وبشكل جلي وواضح على أي تعاملات رقمية مهما كانت معقّدة أو بسيطة، ونتيجة هذا في الجهة المقابلة –عادةً– السخط وعدم الرضى من المستخدمين النهائيين الذين يتلقون التغييرات كشيء مفروض لاحول لهم فيه ولا قوة، وإدارة التغيير عادةً ما تكون مركزية أو غير موائمة لمتطلبات المستخدم النهائي (الممارس الصحي هنا).
إضافةً إلى تلك الهيمنة هو غياب محترفي المعلوماتية الصحية أو حتى من لديهم خبرات –ولو غير أكاديمية– في المشاريع الصحية الرقمية، ما سبب ألماً أكثر لهذا الممارس الصحي. وهو ما لم يتم حله إلى تاريخه.

ولإيضاح القادم في هذه المذكّرة، لابد أن أنوّه ببعض المصطلحات –التي لن تبدو جديدة على المتخصصين في المجال– ولكنها تهم القارئ بشكل عام:

C-Suite/C-Level Executives:
مصطلح يوضّح القيادة التنفيذية في المنشأة، عادةً ما يصاحب رتبهم (C - Chief)
Chief Information Officer  – CIO:
المدير التنفيذي لتقنية المعلومات، والمسمى تقريباً موحّد في مختلف القطاعات
Chief Medical Information Officer – CMIO:
المدير التنفيذي للمعلوماتية الطبية –وهو مسمى دارج في الولايات المتحدة تحديداً–
مؤخراً في المملكة المتحدة تم استحداث مسمى لدور مشابه (CCIO – Chief Clinical Information Officer)
(CXIO*):
المدراء التنفيذيين أصحاب العلاقة بالمعلوماتية ولكن من التخصصات الصحية الأخرى، مثلاً معلوماتية التمريض (CNIO)، معلوماتية الأشعة (CRIO) ... وهكذا
وهذا المسمى غير دارج بشكل كبير

العلاقة بين CIO–CMIO

تعتمد البيئة الصحية اليوم على مواكبة التقنيات الحديثة في اتخاذ القرارات الصحية داخل نطاق العمل الصحي كالمستشفيات مثلاً، وخارجها على نطاق أوسع مثل بيئة الصحة العامة(١)، وتعتبر التقنية محفّز كبير لخدمة احتياجات العمل وأتمتته وتجويده للوصول إلى قرارات في وقت سريع و"لحظي/آني" في بعض الأوقات استناداً من منطلق المعلوماتية الصحية كمحرّك لتقنية المعلومات(٢)، أثبتت الدراسات والأدلة العلمية أهمية العمل المشترك بين أقسام المعلوماتية الصحية وتقنية المعلومات تحت مظلة واحدة، والتوجه لتحسين بيئة العمل الصحية بل وتعدت من تقديم الخدمات الأساسية إلى الابتكار والإبداع المعرفي(٣). إضافةً إلى دور المعلوماتية الصحية الحيوي في فهم احتياجات بيئة العمل المتعلقة بالصحة بشكل مباشر و/أو غير مباشر وقيادة التقنية كعامل أساسي في إنجاح التعامل داخل البيئات الصحيــة (٤).
وعليه، فإنه لا يمكن لمتخصص تقنية المعلومات بناء نظام صحي يغطي كامل متطلبات القطاع الصحي ولا لمتخصص المعلوماتية الصحية بناء نظام تقني قوي يضمن صلابة واستمرار عمل النظام بكفاءة عالية مع متطلبات الأمن السيبراني والمواصفات التقنية التي تضمن عدم تحكم الشركات المسئولة عن الأنظمة الطبية بالخدمة، فالبيئة المثالية هي التي يكون فيها العمل تكاملي، بمفهوم الفريق الواحد، في وجود حوكمة واضحة لتقنية المعلومات بمفهوم معلوماتي (Right Information, to the Right People, at the Right Time).

يجدر بنا الإشارة إلى أن هناك تفاوت كبير بشكل عام في نضج البيئة الرقمية في القطاع الصحي في المملكة، وهذا التفاوت يجعل من فهم أهمية المتخصصين في المعلوماتية –CMIO تحديداً– أصعب، فالهدف الحقيقي ليس التشبث بكرسي خشبي أو بلاستيكي، ولا البحث عن مسمى "برستيجي"؛ بقدر أهمية "التناغم" في بيئة عمل القطاع الصحي، وقد كان هذا ظاهراً في الولايات المتحدة على سبيل المثال –ربما أتعرض له في مذكرة مستقلة–، وذلك بعد إطلاق برنامجهم الوطني "Meaningful Use" المصاحب لمشروع رقمنة الملفات الطبية آنذاك.
ومنذ بروز هذا المشروع، أصبح الدور الذي يقوم به مدير المعلوماتية الطبية 'CMIO' محوري في عملية أتمتة الأنظمة الطبية بغض النظر عن اختلاف حجم المنشآت. وتبين هذه الدراسة المسحية –بالرغم من قِدمها– عوامل عديدة وآراء الطرفين عن أهمية ودور كل منهما للآخر.

أما الوضع الحالي فهو أيضاً في تباين؛ حيث تعتبر أكثر المؤسسات الطبية وجود المعلوماتية تحت "الإدارة الطبية" ما يجعلها تقبع في زاوية منفصلة وتزيد الفجوة في التواصل بينهم وبين إدارة تقنية المعلومات. وفي الجهة المقابلة، بعض المنشآت دمجت المعلوماتية تحت إدارة تقنية المعلومات، فأصبح الطبيب مثلاً المتواجد في هذا القسم –ليس طبيباً– من وجهة نظر أقرانه، لأنه في قسم غير طبي؛ ولا يزال هذا التنوع موجود في معظم المنشآت الطبية في المملكة، ولا يوجد معيار ثابت يحدد هذه الهيكلة إلى الآن!

رؤية لبيئة العمل المثالية المعزّزة للصحة الرقمية

تستقّل إدارة تنفيذية بمدير تنفيذي مشارك لتقنية المعلومات / الصحة الالكترونية / الصحة الرقمية / المعلومات الصحية / المعلومات الطبية أو ما يشابهه (لا يهم المسمى بقدر الوظيفة التي تدعم التوجه المستقبلي للصحة الرقمية)
Chief of eHealth
Chief of Digital Health
Chief Medical Information Officer – CMIO
Chief Clinical Information Officer – CCIO
Chief Health Information Officer – CHIO
Chief Information Officer – CIO
يندرج في فريقه النائب لتقنية المعلومات (مهم جداً عدم التنازل عن هذا المبدأ)؛ وذلك لتناغم الأدوار المناطة بين أقسام المعلوماتية الصحية المختلفة وتطبيقاتها مع العمود الفقري لها وهو قسم تقنية المعلومات، الذي سيُعنى بالبنية التحتية والبيئة التقنية التي تعمل عليها جميع التقنيات والتطبيقات تحت فريق واحد متناغم لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والمرحلية بسلاسة وجودة عالية، مع عدم إغفال جانب الحوكمة.
تعدد الأطياف عادةً ما يعزز الإبداع في بيئة العمل، وهي إحدى مقومات تنفيذ المشاريع الضخمة للملف الطبي الالكتروني، وخصوصاً عندما توجّه التقنيات الحديثة بالعمل الطبي!


يؤسفني القول بأنه وبالرغم من اطلاعنا –وعملنا أحياناً– بشكل مباشر أو غير مباشر مع الاستراتيجيات الوطنية للصحة الرقمية، إلا أن الجزء الأهم هو في حل هذا الصراع الأزلي، وسد الفجوة بين تقنية المعلومات والمعلوماتية، للوصول إلى توجه يخدم "الصحة الرقمية" متعددة الأطياف.

ما يجعل الحِمل أثقل في البحث عن أنموذج عملي وواقعي، وأعتقد أن معظم المعلوماتيين يشاركوني التطلّع لأكبر مقدّم للخدمات الصحية في المملكة، واستقلالهم بوكالة وزارة للصحة الالكترونية!
ولنا في تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث مثالاً، وقدوة ربما؟!

إظهار التعليقات

احصل على آخر التدوينات على بريدك الالكتروني