تنفيذ الملف الطبي الإلكتروني: سلسلة عملية (١)

بضعة أشهر قضيتها متنقلاً بعد انتهاء فترة تكليفي في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، والشغف يقودني للاستشارات الطبية في مجال الصحة الرقمية تارّة، ورغبتي في الانضمام لجهة ذات طابع وطني تقود مستقبل الصحة الرقمية تارّةً أخرى، وشغف المعلوماتية لا ينطفئ!
لتحط بي الرحال مؤخراً –أم مؤقتاً ربّما؟– في مدينة الملك فهد الطبية وكلّي فضول لاكتساب مهارات معرفية وعملية في منهجية "إيبيك" كما أحب أن أسميها - أحد أفضل الشركات العالمية في مجال (السجلات الطبية الالكترونية Electronic Medical Records) لأصقل مهاراتي في تنفيذ مشاريع من هذا النوع والحجم!

ذكرت في مقال سابق عن المهام التي يقوم بها المتخصصين في المعلوماتية الصحية –الأطباء وغيرهم– للوصول إلى الصورة والنظرة الشاملة للصحة، وعلى رأس هذه المهام تنفيذ مشاريع السجل الطبي الالكتروني في المنشآت الطبية كونه الحجر الأساس واللبنة الأولى لرحلة المعلومة الطبية السليمة. ولأن هذا الجزء عميق ومتشعّب، آثرت على بدء سلسلة المذكرات من هنا!

إن الحديث عن مرحلة التنفيذ عادةً ما يسبقه المرحلة الأهم وهي (التخطيط والتجهيز) وقد تستغرق هذه المرحلة شهور بل سنين في بعض الأحيان اعتماداً على حجم المنشأة الصحية وحجم التغيير. وقد أتخطى هذا الجزء في هذه المذكرة لأدخل في العمق مباشرةً، وأعود لها في مذكرة أخرى.

لن أتحدث عن ماهية السجلات الطبية الإلكترونية، ولا عن الاستراتيجيات الوطنية للوصول للهدف الاستراتيجي المتعلق بالملف الصحي الموحد، والأهم ليس عن إيبيك كمزوّد خدمة، فأنا لا أسعى للتسويق لهم أصلاً، وأتمنى ألا تصيبني حمى "إيبيك" لما أراه من احترافية في تنفيذ هذا المشروع إلى الآن.
كما أعتقد أنه من المناسب بدء سلسلة مذكّرات خاصة بجوانب عديدة تتعلق بهذه التجربة الفريدة في نظر معظم زملائي المعلوماتيين لذلك سأركّز الحديث عن الدروس التي أتعلمها حالياً بشكل يومي من هذا التنفيذ، ولمشروع بهذه الضخامة، وهو ما لم –ولن–نتعلمه من الفصول الدراسية "النظرية"! وحتى أحاول تنظيم الأفكار –آمل ألا أكون كذلك في هذه المذكرات– سأسرد لكل مذكّرة طابع معين/أو الرسالة المستفادة التي أود أن أحرص على تذكّرها جيداً.

الدرس المستفاد #1
المبادئ التوجيهية – Guiding Principles

في اليوم الأول لعملي مع فريق المعلوماتية بمدينة الملك فهد الطبية، قمت بالتوجه مباشرةً إلى لوحة الإعلانات التي ملئت ببعض الأوراق المبعثرة ويتوسطها عبارة المبادئ التوجيهية للتنفيذ الناجح! لم أتوقع أن أرى هذه القائمة الآن، فأنا أحاول أن استكشف أبعاد الزمان والمكان لهذا المشروع، بل لا زلت أتعرّف على أهم الموارد فيه وهو المحرّك الحالي والمستقبلي لتنفيذ المشروع (رأس المال البشري) / فريق العمل!
قرأت هذه القائمة بتمعُّن، وكانت أول نقطة هي الأعمق لي وهي الرسالة والدرس المستفاد لي ذلك اليوم! ففي كل اجتماع قائم، يتم ذكر بعض هذه المبادئ، ويأتي على رأسها أن تنفيذ مشاريع الملف الطبي الالكتروني يعتبر مشروع تحول إكلينيكي، وليس مشروع تحول "تقني" فقط!
وهذه الجملة بحد ذاتها هي أفضل ما يصف مشاريع "الصحة الرقمية" عادةً.

مثال: مبادئ التنفيذ الناجح، وتختلف بشكل كبير حسب كل منشأة وكل مشروع تنفيذ

مالذي يعنيه وجود مبادئ توجيهية أصلاً؟ ولماذا ينبغي أن نهتم؟!
بالنظر للمشاريع التقنية التي تتطلب العمل مع خبرات وأعمار مختلفة من المستخدمين، خصوصاً إذا كانت طبيعة هذا التغيير شامل ومعقّد، يصبح وجود دستور أو اتفاقية لجميع أعضاء المنشأة/المنظمة متمركزة على عدّة مبادئ تكون هي الفيصل عادةً حال ظهور أية خلافات في اتخاذ القرار النهائي على صعيد القسم أو الإدارة التي ستتأثر بهذا التغيير بشكل مباشر.

قد أكون منحازاً عند القول بأن بيئة العمل الطبي معقّدة جداً مقارنةً بالقطاعات الخدمية الأخرى لوجود عوامل عديدة، من أهمها تعدد أطياف التخصصات الصحية والعمل كفرق مترابطة داخل المنشأة نفسها، فتجد هذا التفاوت بالنظر إلى عدد المتخصصين في مجال واحد من أطباء وفريق طبي متكامل.
تخيّل معي أن تغيير ما (كإضافة توقيع جديد من الطبيب المعالج) وما سيطرأ على آلية العمل داخل هذا الفريق ليصبح هذا التدخّل مثل (عنق الزجاجة) وسبب لتكدُّس العمل لإنهاء الإجراءات اللازمة، فكيف ستكون إعادة بناء أكثر آليات وإجراءات العمل الحالية مع وجود مشروع تنفيذ الملف الطبي الالكتروني، بغض النظر عن مزود الخدمة؟!
شهدت خلال الأسابيع الماضية العديد من الصراعات بين مختلف الفرق الطبية من عدة تخصصات بسبب إضافة مثل هذه التغييرات على آليات العمل وما يجب عمله لاعتمادها بعد البدء في مرحلة التصميم والإعداد استعداداً لمرحلة الإطلاق النهائي! ليكون وجود هذه المبادئ دائماً هو بداية أي اجتماع أو عرض أو فكرة لتغيير آلية العمل، لأن الهدف هنا ليس فقط تنفيذ هذا المشروع، بل إنجاحه بالهدف الحقيقي في جعل الممارسة الطبية أكثر أماناً وكفاءة، و(سهولة) في معظم الأحيان للعاملين عليه من المتخصصين الصحيين والإداريين في المنشأة. وكأحد أهم عوامل إدارة التغيير خلال المراحل المختلفة التي يمر بها مشروع بهذه الضخامة، هو الاتفاق على هذا الدستور.

كمثال حي، أثناء آخر اجتماع للجنة إشرافية في المشروع كانت إحدى هذه المبادئ: (جميع قرارات هذه اللجنة نهائية) ما جعل الاجتماعات أكثر انتاجية حقيقةً، وإن كانت بعض القرارات أكبر من أن تُتّخذ من هذه اللجنة، يتم حذفها من أجندة الاجتماع إلى أن يقرر فيها من الإدارات العليا و/أو ذات العلاقة، ولا يتم الخوض فيها حتى تصبح منطبقة على هذا المبدأ الأساسي.
هذا على مستوى صغير وداخل لجنة إشرافية، المثير هنا هو العمل بهذه المبادئ على مختلف مراحل إدارة المشروع، وصولاً إلى الجهات الإشرافية التي تحدد مصير المنشأة الصحية ككل لتعطي توجّه ووضوح في اتخاذ القرارات مهما كانت مصيرية.

تطرقت في هذه المذكرة بالحديث عن "إيبيك" وهذه الممارسة التي قد تكون لدى غيرهم كمزود خدمة، ولأتأكد من أهمية هذا الدرس المستفاد، استشرت العم قوقل في البحث عن حالات مشابهة لأجد بعض النماذج التي اتخذت هذه المبادئ كمحور لعملية التحول الاكلينيكي ككل، وكان فيها الملف الطبي الالكتروني مجرّد أداة ممكّنة فقط! وليس العكس.
وهذه عينة من هذه الأمثلة:
1. Tanner Health System
2. UNC Health System
3. Columbia University Irving Medical Center
وغيرها الكثير الذي لم يتم نشره أو غير قابل للنشر.

تعتبر المبادئ التوجيهية –بغض النظر عن طولها أو قصرها– هي أحد العوامل المؤثرة للحوكمة القابلة للوصول إلى قرارات عملية على مستوى المنظمات، ودخول أدوات التمكين والتغيير الرقمية أو غيرها تكون موجّهة بهذه المبادئ ابتداءًا، ويكون إعدادها وصياغتها والاتفاق عليها من القيادات العليا أحد عوامل نجاح مشاريع التغيير التي تحدّد بعناية في مرحلة مبكّرة من المشروع!

إظهار التعليقات

احصل على آخر التدوينات على بريدك الالكتروني