(#المعلوماتية_الصحية) بين مطرقة التصنيف المهني وسندان الممارسة العملية

شرعت بالبدء في كتابة هذه المذكرة قبل أكثر من عام، أثناء مساهمتي كمحرر وصانع محتوى مع بداية إطلاق مجلة #الصحة_الالكترونية (المصدر العربي الأكثر موثوقية في مجال الصحة الإلكترونية) لأسلط الضوء على المعاناة التي يتعرض لها المتخصصين في #المعلوماتية_الصحية بين واقعهم الحالي والمأمول!
توقفت وقتها عن المتابعة في سرد هذه المذكرة لانخراطي كعضو في اللجنة الوطنية لتخصص المعلوماتية الصحية بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وبعد انتهاء هذه اللجنة من أعمالها والرفع بتوصياتها، لا زلت أرى بعض الشقوق التي حاولت إثارتها أكثر من مرة وأعتقد أنها تهم المتخصصين ومزاولي هذه المهن، علّي ألامس القليل من واقعهم.
ولعل من أهم المواضيع التي تهم مجتمع المتخصصين والراغبين بالانخراط في #المعلوماتية_الصحية كمسار مهني هو التباين ما بين التطبيق والتشريع لهذه الفئة من الفريق الطبي ومحترفي تقنية المعلومات العاملين في المنشآت الصحية.
سبق وأن تطرقنا إلى مصطلحات وماهية التخصص في مقال سابق؛ وهو ما يغيب عن الكثير من مسئولي التصنيف المهني والوظيفي في أقسام الموارد البشرية وصولاً إلى صُناع القرار في المنشآت الصحية.
فكان من الأهمية بمكان أن نتحدث عن الواقع بتجرُّد ووضع حلول مقترحة من وسط الميدان العملي، وبعيداً عن التنظير.

في تغريدة وتساؤل على حساب #المعلوماتية_الصحية في المملكة على شبكة التواصل الاجتماعي تويتر، كانت هناك مجموعة من الآراء المتعلقة بالعقبات التي يواجهها المتخصصين في المملكة، ومنها استُلهِمت هذه المذكرة:

تبرز أهمية المختصين في المعلوماتية الصحية ذوي الخبرات الإكلينيكية كأحد أهم العوامل لإنجاح تنفيذ مشاريع التقنية المتعلقة بالصحة عادةً –وليس شرطاً أساسياً–، لارتباطهم العملي الوثيق وفهمهم للغة وحاجة زملائهم وزميلاتهم من الممارسين الصحيين في تمكين التقنيات الحديثة التي قد تجعل من العمل السرييري والإكلينيكي أكثر سهولة ودقة، وقد أُثبتت هذه العوامل نجاعتها في داراسات عديدة (١،٢،٣)، أهمها القيادة في تنفيذ هذه المشاريع على مستويات المستشفيات التي تقدم خدمات ثالثية وتخصصية، ووصولاً للمستشفيات الصغيرة.
قد تكون المستشفيات التخصصية الأكثر بروزاً فيما يتعلق بتطبيقات الصحة الإلكترونية بالمملكة؛ تتبعها المستشفيات العامة الثانوية، مع غياب شبه تام لتبني التقنية لدى مقدمي الرعاية الصحية الأولية في المملكة، وإن كنا نرى مؤخراً خطوات خجولة في رقمنة ذلك الأخير.
ما يجعل التحدي أكثر صعوبةً في المرحلة المقبلة، مع ظهور (نموذج الرعاية الصحية الجديد)، أحد أهم أهداف برنامج التحول الوطني ٢٠٢٠ و رؤية المملكة العربية السعودية الواعدة ٢٠٣٠؛ وذلك لافتراض معطيات هذه الحقبة الزمنية ليتخللها تسارع كبير جداً في أتمتة الأنظمة الطبية على مستوى المملكة، ما يعني وجود مشاريع ضخمة على مستويات الرعاية الصحية الأولية، والثانوية، وحتى التخصصية.
فهل نحن مستعدون؟!


قراءة للوضع الحالي لممارسي المعلوماتية الصحية في المملكة

تاريخ المعلوماتية كممارسة مهنية في المملكة قد مر بعدة متغيرات، بدأت بأخذ متخصصي تقنية المعلومات نصيب الأسد في اختيار وتنفيذ أنظمة ومشاريع الصحة الإلكترونية في المملكة، انتقالاً لخلق أدوات أكاديمية كاستحداث درجة (ماجستير المعلوماتية الصحية) والتي تبعها توسع كبير في درجات (بكالوريوس المعلوماتية الصحية) في كليات الصحة العامة لدى ١٣ جامعة في المملكة (٤). هذه التغيرات كانت مصحوبةً بتأخر في ترخيص مزاولة هذه المهنة المستحدثة والتي تتم بإشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، والتي إلى الآن تواجه بطء شديد لكل من يرغب بالتصنيف المهني فيها.
القرار الأكثر تأثيراً طوال السنوات الماضية كان قرار مجلس الخدمة المدنية الذي أوصى بدمج المسمى الوظيفي  للمعلوماتية الصحية (٥) ليشمل جميع المتخصصين في إدارة المعلومات الطبية (السجلات الطبية) ودمجهم تحت مسمى موحّد (المعلوماتية الصحية)، وبالرغم من الفوارق بين التخصصين، نعيش اليوم تبعات سلبية لهذا القرار الذي أثر سلباً على كثير من المتخصصين السابقين والحاليين حيث أن البيئة المهنية للتخصص تعاني من انعدام شبه كامل للمهام الوظيفية المتوقعة، ما يجعل الحيرة للمستقبل المهني لهذا التخصص في ازدياد مضطرد.
حسب آخر إصدار للكتاب الإحصائي السنوي لعام ٢٠١٧ م(٦)، يوجد حالياً ما يقارب (٣٧٨٠ أخصائي معلوماتية صحية) لدى وزارة الصحة السعودية فقط، أكثر من ٩٨% منهم سعوديون، ٧٠% ذكور و ٢٨% إناث، وقد يزداد هذا العدد بشكل كبير إن تم إحصاء جميع القطاعات الحكومية والخاصة الأخرى.
في الجهة المقابلة، تتفاوت هذه الأعداد مع المسجلين والمصنفين لدى هيئة التخصصات الصحية، وذلك بحكم استيعاب التخصص لتعدد الأطياف (أخصائيين المعلوماتية الصحية من تخصصات مختلفة كتقنية المعلومات، الإدارة الصحية وغيرها) ممن لا يكون التسجيل والتصنيف المهني لديهم ذو قيمة مهنية، وهذه إحدى التحديات!

زامر الحي لا يُطرب

بالرغم من وجود هذه الأعداد وهذه البرامج الأكاديمية، أعتقد أن الشق هنا أكبر من الرقعة، فالمشكلة التي تواجه هؤلاء المتخصصين أكبر من مجرد تصنيفهم المهني من هيئة التخصصات فحسب! بل من الممارسة الفعلية والحقيقية لهذه المهنة. وتتلخص بعض هذه الصعوبات في:

١) دمج المسمى الوظيفي لهذه المهنة أدى إلى وجود عدد غير واقعي للممارسين من مختلف الفئات الوظيفية (فني، أخصائي، أخصائي أول، استشاري)، ما جعلنا اليوم نشهد ندرة كبيرة لأخصائيي إدارة المعلومات الطبية من المرمزين الصحيين أو المحترفين في إدارة دورة الإيرادات وغيرها، ومناداتهم بإنشاء جمعية علمية مستقلة!
نتج عن هذا الخلط تباعد أكبر بين التخصصين بشكل لا يعزز نمو المهنة، فالبناء لهذه المهنة يؤسس على الحاجة لا على الأشخاص أو القطاعات، فينبغي لهذه الفجوة أن تُردم بوضع الأهداف المشتركة كأولوية مُنظِّمة لهم.

٢) عدم وجود كيان وهيكلة إدارية أو تشغيلية تدعم عمل الممارسين لهذه المهنة في أغلب –إن لم يكن كل– المنشآت الصحية الحكومية والخاصة، وفقدانهم لجوهر وهوية تخصصهم الحقيقي الذي يساهم بشكل محوري في مشاريع الصحة الرقمية و/أو "التحول الرقمي" والذي يهيمن عليه –إلى اليوم– قطاع تقنية المعلومات بشكل كبير مع غياب شبه تام من قيادة المعلوماتيين.

٣) عدم احتواء المهنة بكافة جوانبها إبان ظهورها، بحيث تم التسويق للحاجة المُلحّة آنذاك لتخريج دفعات من القطاع الأكاديمي بلا وعاء مهني يحتويهم، ودون وجود تدرج ومسار مهني و/أو وظيفي واضح المعالم.
فنجد أن التشريع والتصنيف موجودين لهذه المهنة بشكل واضح –نوعاً ما–، يقابله التنفيذ الضعيف لجهات التوظيف في القطاعين العام والخاص.

٤) تعدد البرامج الأكاديمية وسرعة إنشائها –خصوصاً درجة البكالوريوس– وافتقارها للأساس العملي المتعلق بالجوانب التطبيقية، فنجد أن البرامج الأكاديمية قلما تحتوي على جانب عملي مُحكّم، وعدم صقلهم لدى قطاعات مفعّلة للتخصص.
وإن وجد ما سبق، فسنجد أن فترات الامتياز أساساً تُقضى لدى جهات لا يوجد بها أقسام معلوماتية صحية أو حتى تطبيق فعلي للسجلات الطبية الالكترونية!
وهذا ما لاحظته من الضعف الشديد في مخرجات برامج بكالوريوس المعلوماتية الصحية –تحديداً–، بالرغم من ارتفاع المعدلات الدراسية الجامعية، إلا أنهم يعانون كثيراً في المهارات العملية المهنية، مهارات التواصل، إدارة المشاريع، وحتى محدودية استخدامهم لبرامج الحاسوب الأساسية (آمل آن أكون مخطئ ليتم بحث هذا الموضوع علمياً بدراسة علمية محكّمة)


سد الفجوة: حلول عملية

حتى لا ننظر فقط إلى النصف الفارغ من الكأس، سأشير هنا إلى بعض الخطوات العملية التي قد تساهم بشكل كبير في ما يعانيه الزملاء والزميلات المتخصصين في المعلوماتية، علّها تصل إلى من يهتم:

١) بالنظر إلى أكبر مزود خدمة للرعاية الصحية في المملكة (وزارة الصحة)، وإنشائهم لوكالة وزارة الصحة للصحة الإلكترونية، واستحداث الوكالة المساعدة للمعلوماتية الصحية، لا زلنا نبحث عن نموذج وطني واضح نُشير له بالبنان في تبنّي واحتواء هؤلاء الممارسين وإعطاؤهم الفرصة لمزاولة مهنهم.
يتم اعتماد هيكلة إدارية (تشغيلية) واضحة تتعلق بمهام المعلوماتية الصحية لدى المنشآت المقدمة لخدمات الرعاية الصحية والصحة العامة. مع عدم الإخلال بتناغم الأدوار والأطياف بين أقسام تقنية المعلومات، وأن تكون مهام (المعلومات الطبية) من التنفيذ إلى التحليل مناطة بشكل رئيسي بالمعلوماتية للاستفادة من خبراتهم في مجال اختصاصهم.
وقد تصنع الوكالة المساعدة للمعلوماتية في وزارة الصحة أنموذجاً عملياً لبقية القطاعات العامة والخاصة يكون فيه تمكين هؤلاء المتخصصين وإنزالهم منازلهم!

٢) الحرص على التهيئة التدريبية العملية/التطبيقية لدى إدارات المعلومات الصحية لاستقبال المتدربين –إبان إنشائها بشكلها الصحيح– حتى تقوم بالعمل بشكل متوائم مع بقية الأقسام ذات العلاقة، والتي يكون فيها المستفيد الأخير (المتدرب، والبرامج العلمية الأكاديمية ابتداءاً، وصولاً إلى سوق العمل بشكل أشمل).
إضافةً إلى إشراك القطاع الخاص من مزودي خدمات المعلوماتية و/أو خدمات الملف الطبي الالكتروني –كأساس من مسئوليتهم الاجتماعية لكوادر الوطن– في عملية التدريب وخلق فرص فترات امتياز مدفوعة لمتدربي البرامج الأكاديمية بمعايير قبول تنافسية، ما يسهم في فهم السوق (مزود خدمة، مشغّل، جهة مستفيدة) من قبل الخريجين، وتوسيع مداركهم في النمو المهني والعمل الاحترافي.

٣) العمل على دارسة الميزات الوظيفية والتدرج المهني وتعزيزها بما يتواءم مع سوق العمل، لجعل مهنة المعلوماتية بنفس جاذبية ما سُوِّق له من الحاجة الملحّة لها ولندرتها، بحيث يكون الوعاء الوظيفي مستوعبٌ إلى حدٍ كبير للمخرجات الأكاديمية، بل ورافدٌ قويٌّ لها.

٤) إبراز الدور المحوري لأخصائيي المعلوماتية الصحية من قبل أصحاب القرار، والمدراء التنفيذيين، وتعزيز دور هؤلاء الأخصائيين في دعم القرارات الموجهة بالبيانات وعملهم المرن مع مختلف الفريق الصحي، وتحقيق الاستراتيجيات الوطنية للصحة الرقمية تحتم علينا النظر إلى الهدف الجوهري من تمكين هذه المهنة والممارسين لها، وجعلها مهنة مستقبلية جاذبة ومعززة للإبداع وتوجيه القرار.


والله من وراء القصد.

إظهار التعليقات

احصل على آخر التدوينات على بريدك الالكتروني